
- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4005
هل هناك حل إسرائيلي لأزمة الكهرباء في سوريا؟

سواء أطلقت عليه السلطات اسم "الغاز المصري" أو "الغاز الأردني"، تبقى الحقيقة الواضحة أن إمدادات الغاز البحرية الإسرائيلية قد تسهم في التخفيف من أزمة النقص الحاد في الطاقة الكهربائية في سوريا، شريطة التوصل إلى الترتيبات اللازمة.
يُعَدّ نقص الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تهدد الاستقرار الهش في سوريا خلال مرحلة ما بعد الأسد، إذ لا تتجاوز ساعات التزويد بالكهرباء المتاحة ساعة أو ساعتين يوميًا. وفي هذا السياق، يمكن أن يسهم استيراد الطاقة أو الغاز الطبيعي من إسرائيل في تحسين الوضع الكهربائي في البلاد.
حتى قبل انهيار نظام الأسد، كانت البنية التحتية للكهرباء في سوريا تعاني من مشكلات كبيرة. فقد أدى عقد من الحرب الأهلية إلى دمار واسع النطاق طال محطات التوليد وخطوط الكهرباء، ما حوّل الدولة التي كانت سابقًا مُصدِّرةً للنفط إلى دولة مستوردة له، وتعتمد بشكل رئيسي على إيران لتأمين احتياجاتها الأساسية. وبعد انهيار النظام، توقّف تدفق النفط الإيراني، في حين أن معظم حقول النفط المنتجة في سوريا تقع في المناطق الشمالية الشرقية الخاضعة لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد. وفي 22 شباط/فبراير، صرّح مسؤولون في وزارة النفط بدمشق أن الإمدادات الكردية قد استؤنفت. ومع ذلك، يبقى مستقبل تدفّق النفط من تلك المنطقة على المدى الطويل غير واضح، نظرًا إلى للروابط الوثيقة بين حكّام سوريا الجدد وتركيا، التي تُعَدّ خصمًا لقوات سوريا الديمقراطية، ناهيك عن حالة عدم اليقين بشأن سياسة الولايات المتحدة تجاه الأكراد، وهم الشركاء الأساسيون لواشنطن في جهود مكافحة الإرهاب على الأرض لأكثر من عقدٍ من الزمن.
وقد صرّح وزير الكهرباء السوري الجديد، عمر شقروق، بأن إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة ستستغرق شهورًا، إن لم يكن سنوات. ومن الناحية النظرية، نظريًا، يمكن الاعتماد على المولدات الخاصة والألواح الشمسية كبدائل مؤقتة، إلا أن هذه الخيارات إما مكلفة للغاية أو غير متاحة لشريحة واسعة من السوريين، إن لم يكن لمعظمهم. وبالمثل، وصلت شحنات من غاز البترول المسال بحرًا من تركيا وأذربيجان، وبرًّا من الأردن، لكن هذه الواردات، المعروفة بـ"غاز الطهي"، لا تعدو كونها حلًا مؤقتًا محدود النطاق.
وثمّة خيار آخر يتمثّل في استخدام سفن الطاقة العائمة في مرفأي بانياس وطرطوس على البحر الأبيض المتوسط، حيث يمكن لكل سفينة منها توليد نحو 400 ميغاواط من الكهرباء، أي ما يعادل إنتاج محطة طاقة متوسطة الحجم. وتشير التقارير إلى توافر سفينتين من هذا النوع، فيما أفادت قطر وتركيا باستعدادهما لتغطية تكاليف الوقود والتشغيل. ومع ذلك، فإن ربط هذه السفن بالشبكة السورية قد يستغرق عدة أشهر، ما يستلزم الاعتماد على حلول مؤقتة في الأجل القصير. والأهم من ذلك، أن كمية الكهرباء التي ستصل إلى دمشق، الواقعة على بعد نحو 100 ميل، تظل غير مؤكدة، نظرًا للأضرار الواسعة التي لحقت بخطوط النقل المحلية.
وسط هذه العقبات، يلوح في الأفق حلٌّ آخر. فالأردن لا يبعد عن دمشق سوى حوالي 113 كيلومتر، كما أن هناك خططًا قائمة لتعزيز البنية التحتية للكهرباء، إضافةً إلى وجود شبكة أنابيب غاز تمتد إلى العاصمة السورية وما بعدها. وقد تم تشغيل المسار الرئيسي لخط الأنابيب بين الشمال والجنوب عام 2003 تحت اسم "خط أنابيب الغاز العربي" (AGP)، وكان يهدف إلى نقل الغاز المصري إلى الأردن، وصولًا إلى سوريا ولبنان وتركيا في نهاية المطاف. لكن مصر أوقفت التدفق شمالًا عبر هذا الخط قبل عقدٍ من الزمن، بسبب الهجمات التخريبية التي استهدفت أجزاءً من مسارة في شبه جزيرة سيناء، فضلًا عن شحّ الغاز محليًّا.
أما اليوم، فيعمل ممر "الغاز الخليجي العربي" على نقل الغاز الإسرائيلي جنوبًا إلى مصر، حيث يُستخدم لتلبية الطلب المحلي المتزايد باستمرار. وبعد استخراجه من حقل ليفياثان البحري، الواقع على بعد نحو 130 كيلومتر غرب حيفا، يتم ضخ الغاز عبر الأنابيب مرورًا بالأراضي الإسرائيلية وصولًا إلى مدينة المفرق شمال الأردن، ثم يُرسل جنوبًا عبر مسارٍ متعرجٍ يغذي محطات الطاقة الأردنية قبل عبوره إلى سيناء عبر العقبة.
ويثير اعتماد الأردن على هذا الغاز – الذي يولّد 70% من الطاقة الكهربائية في المملكة – جدلًا سياسيًا، نظرًا إلى الأصول الفلسطينية للعديد من مواطنيه. وعند توقيع الاتفاق عام 2014، قال الملك عبد الله الثاني: "هذا ليس ما يريده شعبي، بل ما يحتاجه." وفي العلن، تُطلِق الحكومة على هذا الإمداد اسم "الغاز المصري" ولا تُشجع على مناقشة مصدره الحقيقي.
في عام 2021، بحث صانعو القرار الأمريكيون إمكانية إرسال الغاز الإسرائيلي، أو على الأقل الكهرباء الأردنية المُولَّدة منه، عبر سوريا إلى لبنان، الذي كان يعاني من نقصٍ مزمنٍ في الطاقة. وفي ذلك الوقت، أصدر معهد واشنطن ورقة بحثية متعمقة تناولت سبل تنفيذ هذه الخطة دون تمكين حزب الله أو تحقيق مكاسب مالية لنظام الأسد. ولا تزال المناقشات الفنية التي تناولتها تلك الورقة قابلة للتطبيق على سوريا اليوم، وقد تكون مفيدة في المحادثات التي تجريها الحكومة المصرية، كما أشار شقروق الشهر الماضي. ومع ذلك، يتعين الإجابة على مجموعة من التساؤلات الرئيسية التي تشمل الآتي:
ما هي المدة الزمنية اللازمة لتنفيذ المقترح؟ من الناحية الفنية، تتوافر كميات الغاز اللازمة لتلبية احتياجات سوريا من الطاقة بالفعل عبر "خط أنابيب الغاز العربي". لكن المشكلة تكمن في أن الجزء من خط الأنابيب الذي يمر عبر مصر والأردن يتدفق حاليًا جنوبًا وليس شمالًا، مما يعني أن السلطات لا يمكنها ببساطة عكس اتجاه التدفق وضخ الغاز المصري إلى سوريا. وينطبق الأمر ذاته على الغاز القادم من وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة، الراسية حاليًا في العقبة، (والتي سينتهي عقد إيجارها في آب/أغسطس على أي حال، حيث يتم ضخ غازها إلى مصر بدلاً من استخدامه في الأردن. أما إذا وافقت السلطات على الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، فإن عملية إيصال هذا الغاز أو إنشاء البنية التحتية اللازمة للطاقة في سوريا قد تستغرق عدة أشهر قبل بدء التشغيل الفعلي.
هل يمكن التغلب على العقبات السياسية؟ على غرار غيرها من الحكومات العربية في الشرق الأوسط، من المحتمل أن تجد حكومة أحمد الشرع الجديدة في سوريا فكرة قبول الغاز من إسرائيل علنًا غير مستساغة. وقد يساعد تصوير الإمدادات رسميًا على أنها مصرية أو أردنية في تهدئة هذا القلق.أما في إسرائيل، فقد تعارض التيارات اليمينية المتطرفة في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مثل هذا المشروع أيضًا، على الرغم من أن الاستقرار في سوريا يصبّ بلا شك في مصلحة بلادهم.
من سيتولى تمويل المشروع؟ لم يعد لدى سوريا نظام فعال لقياس الاستهلاك وجمع المدفوعات. وستحتاج شركات الطاقة الأجنبية – بما فيها شركة "شيفرون" الأمريكية العملاقة، التي تمتلك حصة في رخصة حقل "ليفياثان" الإسرائيلي – إلى ضمانات واضحة لحل هذه المشكلة قبل الموافقة على إرسال أي غاز إلى الشمال، لا سيما أن عقود توريد الغاز عادةً ما تكون طويلة الأجل (بين خمسة عشر وعشرين عامًا).ومع ذلك، إذا تم إقناع دول الخليج، مثل السعودية أو قطر أو الإمارات، بتمويل إصلاح البنية التحتية بالإضافة إلى تغطية تكاليف الغاز، فقد تصبح الفكرة قابلة للتطبيق.
وفي الوقت الراهن، تتزايد الفرص بسرعة، ففي 26 شباط/فبراير، سيزور الشرع الأردن للقاء الملك عبد الله، في حين أعلن الاتحاد الأوروبي في وقت سابق اليوم عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا في قطاع الطاقة. ومع ذلك، فإن إحراز تقدم ملموس سيظل مرهونًا جزئيًا بالعقوبات الأمريكية التي لا يزال معظمها قائمًا.
سايمون هندرسون هو زميل أقدم في برنامج الزمالة "بيكر" ومدير "برنامج برنشتاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن، ومتخصص في شؤون الطاقة والدول العربية المحافظة في الخليج العربي.