- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4003
من داخل المحادثات الأخيرة لحزب العمال الكردستاني (الجزء الأول): الجهات الفاعلة والمصالح الكردية
رغم انهيار جهود السلام السابقة بسبب التعثر الدبلوماسي والمعارضة الكردية، فقد شهد الوضع على الأرض في العراق وسوريا وتركيا تحولات كبيرة تُبرر التفاؤل بشأن محادثات أنقرة الحالية.
تفيد التقارير بأن تركيا على أعتاب إعلان تاريخي من قبل عبد الله أوجلان، زعيم "حزب العمال الكردستاني" المسجون. وقد يترتب على حلّ الصراع المستمر منذ خمسة عقود بين الدولة والجماعة المصنفة إرهابية تأثيرات بالغة الأهمية على مجموعة واسعة من القضايا، بدءًا من السياسة الداخلية التركية وصولًا إلى العلاقات الثنائية الخارجية من جهةٍ، قد يسهم هذا التطور في إزالة عقبة "حزب العمال الكردستاني" من مسار العلاقات الأمريكية-التركية، مما قد يمهد الطريق لإعادة ترتيبها في ظل إدارة ترامب الثانية. ومن المرجح أن يُلقي هذا التطور بظلاله على الأوضاع في سوريا المجاورة، حيث تعاونت واشنطن مع الفرع السوري لـ"حزب العمال الكردستاني" المتمثل في وحدات حماية الشعب منذ عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، مما أثار غضب تركيا خلال هذه العملية.
ولكن ما هي فرص نجاح هذه الصفقة فعليًا، وما تبعاتها على الجهات الفاعلة ذات الصلة داخل المنطقة وخارجها؟ يستعرض الجزء الأول من هذا المرصد السياسي الزوايا الكردية في تركيا وسوريا والعراق؛ بينما يقيّم الجزء الثاني الاعتبارات السياسية الأوسع لكلٍّ من الولايات المتحدة وتركيا.
العناصر الرئيسية للصفقة والجهات الفاعلة فيها
أُحيطت تفاصيل إعلان أوجلان المرتقب بسرية مقصودة، ويعود ذلك جزئيًا إلى فشل المفاوضات السابقة بين أنقرة و"حزب العمال الكردستاني" (2009-2011 و2013-2015) فشلًا ذريعًا، مما أدى إلى تصاعد العنف وتآكل شعبية الرئيس رجب طيب أردوغان. لكن هذه المرة، كان أردوغان أكثر حذرًا في تقديم مستجدات حول مسار المفاوضات مع "حزب العمال الكردستاني"، حيث فرض تعتيمًا إعلاميًا على كل مراحل التفاوض إلى أن يضمن اتخاذ خطوات لا رجعة فيها. ومع ذلك، تبدو بعض أهم عناصر الاتفاق المرتقب وتداعياته واضحة:
عبد الله أوجلان
تمكنت تركيا من اعتقال عبد الله أوجلان زعيم "حزب العمال الكردستاني" عام 1999، وحُكم عليه بالإعدام في العام نفسه. وفي عام 2002، تم تخفيف الحكم إلى السجن مدى الحياة، وذلك في إطار جهود تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد قضى أوجلان الآن ستة وعشرين عامًا في الحبس الانفرادي في جزيرة إمرالي، وهي جزيرة صغيرة في بحر مرمرة. ومن خلال وسطاء من حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" المؤيد للأكراد، يبدو أن أردوغان قد وعد الزعيم المريض، البالغ من العمر خمسة وسبعين عامًا، بإمكانية مغادرة الجزيرة إلى الإقامة الجبرية في البر الرئيسي – ولكن بشرط أن يعلن عن حلّ "حزب العمال الكردستاني" ويضمن امتثال أعضائه، تحت إشراف حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب".
جماعة قنديل
رغم أن أوجلان لم يكن القائد الفعلي لـ"حزب العمال الكردستاني" منذ عقود، إلا انه لا يزال يُحظى باحترام واسع داخل الحركة، حيث يُنظر إليه على أنه "المؤسس الملهم" وزعيمها التاريخي، وشغل منصب "الرئيس الفخري" أثناء وجوده في السجن. أما القيادة الفعلية للحزب، فتتوزع بين القادة المتمركزين في مقره الرئيسي بجبال قنديل، وهي منطقة وعرة شديدة التحصين على الحدود الإيرانية-العراقية. ومن بين هؤلاء القادة، المعروفين جماعيًا باسم " جماعة قنديل"، مراد كارايلان، وجميل بايك، ودوران كالكان، وغيرهم من الشخصيات البارزة. غالبية هؤلاء القادة ينتمون إلى نفس الجيل الأيديولوجي لأوجلان، فهم أكرادٌ وُلدوا في تركيا، وتركوا جامعاتهم المرموقة في فترة السبعينيات لتأسيس "حزب العمال الكردستاني" كحركة ثورية ماركسية-لينينية. وقد كرسوا حياتهم لقيادة ما يعتبرونه "ثورة التحرر الوطني"، مستخدمين العنف في كثير من الأحيان على أمل تحسين أوضاع الفلاحين الأكراد في تركيا.
وبطبيعة الحال، أصبحت العديد من جوانب هذه الأيديولوجية محل خلاف منذ نهاية الحرب الباردة، حيث نزح عدد كبير من الأكراد الأتراك إلى المدن الكبرى واندمجوا في الطبقة الوسطى. ومع ذلك، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت قيادة قنديل قد تكيفت مع هذه التحولات. وقد ساورت هؤلاء القادة مخاوف بشأن استعداد تركيا لتقديم تنازلات مماثلة لتلك التي طُرحت على أوجلان في إطار صفقة الإقامة الجبرية. بل إن بعضهم قد يخشى أن يكونوا مستهدفين للاغتيال مستقبلًا على يد جهاز الاستخبارات الوطنية التركي، حتى لو وُعدوا مؤقتًا بالعفو في المنفى. كما أن كبار القادة المخضرمين قد يرفضون حل "حزب العمال الكردستاني" بالكامل أو بشكل متسرع، خاصة إذا لم تتحقق أهدافه المرجوة. فقد تجعلهم مثل هذه النتيجة يشعرون بأنهم أمضوا حياتهم في النضال عبثًا.
صفوف حزب العمال الكردستاني. في السنوات الأخيرة، اتخذت أنقرة تدابير فعالة في مكافحة الإرهاب ضد "حزب العمال الكردستاني"، ما أدى إلى تقليص نفوذه داخل تركيا بشكل كبير، بعدما كان يُقدر عدد مقاتليه بالآلاف قبل عقد من الزمن فقط. وفى أماكن أخرى، حرمت القواعد العسكرية التركية المتقدمة في شمال العراق "حزب العمال الكردستاني" من مساحة عملياتية واسعة ومن الحصول على مسار مباشر بين قنديل وتركيا. كما أن الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة قضت بشكل منهجي على كوادر الحزب في العراق، إلى جانب استهداف عناصر "وحدات حماية الشعب" في سوريا. وإدراكًا منه أن هذه العمليات قد أضعفت على الأرجح الروح المعنوية لمقاتلي الحزب ولاسيما ضباطه ذوي الرتب المتوسطة، قد يسعى أردوغان إلى استغلال هذه المخاوف من خلال تقديم عرض مغرٍ لهم عبر أوجلان: "ألقوا أسلحتكم وستعيشون". وفي الوقت ذاته، وبعد سنوات من مواجهة "حزب العمال الكردستاني"، لا شك أن أردوغان يدرك أن الحزب لا يزال قادرًا على إلحاق ضرر سياسي وعسكري ملموس بالمصالح التركية، حتى من مسافة بعيدة. ولهذا، فإن تفكيك الجماعة رسميًا لا يزال يشكل أولوية استراتيجية لأنقرة، رغم النجاحات التي حققتها في جهود مكافحة الإرهاب مؤخرًا.
أكراد العراق. فشلت محاولات تركيا السابقة لنزع سلاح "حزب العمال الكردستاني" عبر أوجلان جزئيًا بسبب عدم استفادتها بشكل كامل من المصالح الكردية العراقية، ولا سيما مصالح "الحزب الديمقراطي الكردستاني" المهيمن. أما هذه المرة، فيبدو أن أنقرة تنتهج مقاربة أكثر واقعية، إذ تسعى إلى إدماج الحزب بشكل فعّال. وتطرح تركيا عرضًا قد يشجع "الحزب الديمقراطي الكردستاني" على ممارسة ضغوط أكبر على حزب العمال الكردستاني للاستجابة لدعوة أوجلان، مقابل حصوله على دور مستقبلي أوسع بين أكراد سوريا. في السابق، واجهت "وحدات حماية الشعب" معارضة شديدة من "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، حيث قمعت حلفاءه إلى جانب الجماعات الكردية الأخرى.
أكراد سوريا. في عامي 2014 و2015، عارضت "وحدات حماية الشعب" الكردية، التي باتت أكثر جرأة، محادثات السلام بين "حزب العمال الكردستاني “وتركيا. فقد كانت حظوظها مرتفعة آنذاك، إذ أقامت في عام 2014 شراكة مع الولايات المتحدة لمحاربة "تنظيم الدولة الإسلامية.” وفي غضون عام واحد تمكنت من قيادة "قوات سوريا الديمقراطية"، وبسط سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد، بما في ذلك العديد من حقول النفط، وبدأت في إنشاء كيان شبه دولة في شمال شرق سوريا.
ولكن في الآونة الأخيرة، بدأ نفوذ وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية في التراجع بشكل ملحوظ. ففي أعقاب الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، أعلنت القيادة الجديدة المدعومة من تركيا في دمشق عن نيتها استعادة جميع الأراضي السورية تحت سيطرتها، بما في ذلك المناطق التي يسيطر عليها الأكراد. ورداً على ذلك، أفادت بعض التقارير أن مسؤولي وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية قد باشروا محادثات مع دمشق لبحث خيارات إعادة الأراضي إلى سيطرة الحكومة السورية. ومن المحتمل أن يكون هذا التوجه مدفوعًا جزئيًا باستمرار التحليق المكثف للطائرات التركية المسيّرة فوق سوريا، فضلاً عن احتمال سحب القوات الأمريكية من سوريا، مما قد يعرض القوات الكردية لفقدان الغطاء الأمني الأمريكي بالكامل. وعلى هذا النحو، من المرجح أن تستجيب وحدات حماية الشعب الكردية لطلب أوجلان إذا دعاهم للتعاون مع تركيا، حتى لو نصحهم بعض القادة في قنديل بعكس ذلك.
حزب المساواة وديمقراطية الشعوب. من غير المرجح أن تدعم قاعدة حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" الموالي للأكراد في تركيا توجيهات أوجلان بشكل كامل، وإن كان ذلك لأسباب تختلف جوهريًا عن موقف قنديل. فمنذ عام 2014، قدّم الحزب دعمًا غير رسمي لـ"حزب الشعب الجمهوري"، أكبر فصائل المعارضة في تركيا، من أجل تحقيق هدفهم المشترك في تقويض النفوذ السياسي لأردوغان. وبناءً على ذلك، قد يعارض بعض ناخبي "حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" اتفاق أوجلان خوفًا من أن يؤدي إلى تعزيز موقف أردوغان في استطلاعات الرأي العام. ومع ذلك، فإن قاعدة الحزب منقسمة إلى قسمين: بين أولئك الذين يرون أن الأولوية تكمن في تأمين حقوق الأكراد والإفراج عن أوجلان، وأولئك الذين يريدون هزيمة أردوغان أولاً. وبالتالي، قد تنشأ مجموعات منشقة داخل الحزب، على الرغم من أن قيادة حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" قد تؤيد الاتفاق في النهاية، خصوصًا بعد أسابيع من الوساطة بين أردوغان وأوجلان و"حزب العمال الكردستاني".
التأثير على العلاقات الأمريكية-الكردية
لطالما شجعت الولايات المتحدة الحوار التركي-الكردي وإنهاء الصراع بين "حزب العمال الكردستاني". وعلى الرغم من أن واشنطن تملك نفوذًا محدودًا، إن لم يكن معدومًا، على الجهات السياسية التركية مثل حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" ، إلا أنها قادرة على ممارسة ضغوط مباشرة على وحدات حماية الشعب / قوات سوريا الديمقراطية في سوريا.ولدى الولايات المتحدة حافز قوى لمتابعة هذا النهج، إذ إن إقصاء "حزب العمال الكردستاني" من المشهد السياسي في سوريا قد يمهّد الطريق أمام تعاون إستراتيجي أوسع بين تركيا وواشنطن، إلى جانب تعزيز الشراكة مع الأكراد السوريين في عدة قضايا تخدم المصالح الأمريكية. وتشمل هذه القضايا الحد من خطر "تنظيم الدولة الإسلامية"، وإعادة إعمار البلاد، إضافةً إلى بناء علاقات أكثر استقرارًا بين تركيا ومختلف الفصائل السورية.ولتحقيق هذه الأهداف، ينبغي على واشنطن مواصلة الضغط على وحدات حماية الشعب / قوات سوريا الديمقراطية للاستجابة لدعوة أوجلان بمجرد الإعلان عنها رسميًا.
الدكتور سونر چاغاپتاي هو زميل أقدم في برنامج الزمالة "بايير فاميلي" ومدير "برنامج الأبحاث التركية" في معهد واشنطن.