
- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4004
من داخل المحادثات الأخيرة لحزب العمال الكردستاني (الجزء الثاني): الانعكاسات على السياسة التركية والأمريكية

إذا نجحت أنقرة في إبرام الاتفاق وتحييد المفسدين المحتملين، فقد يشكل ذلك منعطفًا في السياسة التركية، ويُرسّخ إرث أردوغان، ويعزز التعاون في مكافحة الإرهاب، ويحمي المصالح الأمريكية الإقليمية.
وُلد الحوار الجديد بين أنقرة و"حزب العمال الكردستاني" من رحم ما يقرب من عقد من العمل المتقن لمكافحة الإرهاب الذي نفذته قوات الأمن التركية وجهاز الاستخبارات الوطنية في البلاد واستنادًا إلى خطة سياسية صاغها وزير الخارجية هاكان فيدان- الذي شغل منصب رئيس الاستخبارات حتى عام 2023. وقد أصبحت الخطوات التي تنطوي عليها هذه الاستراتيجية واضحة منذ ذلك الحين حيث تضمنت: (1) مضاعفة الضغط على "حزب العمال الكردستاني" وإضعافه من خلال هجمات المسيرات وغيرها من الوسائل الفعالة، (2) إعادة الجماعة إلى طاولة المفاوضات وهي لا تزال في موقف ضعيف، (3) التفاوض على تفكيك الجماعة عبر وسطاء سياسيين أكراد، كما هو موضح في الجزء الأول من هذا المرصد السياسي.
وقد حققت المرحلة الأولى من الخطة نجاحات كبيرة ضد مقاتلي حزب "العمال الكردستاني" في تركيا والعراق وسوريا، في حين يبدو أن المرحلتين الثانية والثالثة قد تم إنجازهما أيضًا، وسط تقارير تفيد بأن عبد الله أوجلان قد يطلب من جماعته قريبًا إلقاء السلاح. ولإتمام الصفقة، وإنهاء تهديد "حزب العمال الكردستاني" بشكل نهائي، وإحراز مكاسب سياسية محلية في هذه العملية، يعمل فيدان وأردوغان ونخب الأمن القومي التركي بنشاط على إشراك الجهات الفاعلة الكردية في الداخل والخارج، سواء من خلال زيادة الضغط على الجماعة أو عبر توفير حوافز لحلها.
حسابات أردوغان السياسية
لدى الرئيس رجب طيب أردوغان مصلحة كبيرة في التأكد من نجاح الخطة - ليس فقط لتعزيز إرثه على المدى الطويل، بل أيضًا لتحقيق أهداف سياسية أكثر إلحاحًا مثل حل كتلة المعارضة التي يقودها حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" الموالي للأكراد و"حزب الشعب الجمهوري" اللذان يشكلان عقبة أمام تمديد فترة ولايته التي طال أمدها بالفعل على رأس الحكومة التركية.
في عامي 2017 و2018، حين استنفد أردوغان الحد الأقصى لفترات ولايته المسموح بها قانونًا كرئيس للوزراء، دفعه ذلك إلى إجراء استفتاء شعبي أدى إلى تعديل الدستور وتثبيت النظام الرئاسي وتأمين مجموعة جديدة من الفترات الرئاسية له كرئيس للسلطة التنفيذية التي تم تمكينها حديثًا. أما اليوم، فقد وصل مرة أخرى إلى ولايته الأخيرة ولا يمكنه الترشح في الانتخابات المقبلة المقررة بشكل منتظم في عام 2028 دون مزيد من التحريف للقانون التركي. ولذلك، فقد كان يتودد إلى حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" - الذي يُعتبر الوسيط المحلي الأبرز في محادثات "حزب العمال الكردستاني"- للمساعدة في تغيير الدستور وتأمين فترات ولاية إضافية مقابل تعزيز الاعتراف الدستوري بالحقوق الكردية. غير أن ذلك قد يكون أمرًا صعب المنال، نظراً للمعارضة القومية التركية الطويلة الأمد ضد تكريس الحقوق الكردية، بما في ذلك بين العديد من الناخبين المؤيدين لأردوغان. علاوة على ذلك، قد يتردد بعض ناخبي "حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" في مباركة أردوغان كرئيس فعلي مدى الحياة.
وبدلاً من ذلك، قد يسعى أردوغان إلى الحصول على دعم "حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" في الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة قبل عام 2028، إذ أنه بموجب القانون سيحصل على فترة ولاية أخرى إذا قام البرلمان بحل نفسه قبل نهاية ولايته الحالية. وفي المقابل، من المرجح أن يوافق أردوغان على الأغلب على إعادة رؤساء البلديات المنتخبين من " حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" في البلدات ذات الأغلبية الكردية بعد أن حث المحاكم على إقالتهم ابتداءً من يونيو 2024. ومن المفترض أيضًا أنه سيقدم للمجتمع الكردي حقوقًا ثقافية جديدة (تقتصر حاليًا على دورات اللغة الاختيارية في المدارس وبعض البث العام باللغة الكردية).
وبغض النظر عن الاتجاه الذي ستسلكه هذه المناورات السياسية، فإن المكاسب المحلية لإنهاء الصراع مع "حزب العمال الكردستاني" ستكون تاريخية. ومما لا شك فيه أن تحقيق السلام التركي الكردي سيصبح إرثًا دائمًا لأردوغان، على الرغم من الخلافات المريرة العديدة التي رافقت حكمه الطويل.
آفاق أفضل للسلام رغم الانشقاقات المحتملة
يُعرف الحوار مع الجماعات العنيفة بسجله السيئ في السياسة العالمية، مما قد يؤدي إلى فشل محادثات تركيا الجديدة مع "حزب العمال الكردستاني". ومع ذلك، يبدو أن أنقرة تعتمد هذه المرة نهجًا دبلوماسيًا أكثر حذرًا وأمانًا، مما يعزز فرص النجاح.
أولاً، كما هو موضح في الجزء الأول، استفاد المسؤولون من أخطائهم التفاوضية في عامي 2011 و2015؛ وهذه المرة، لا يكشفون عن التقدم المحرز للجمهور التركي المتشكك إلا بعد أن يصبح هذا التقدم نهائيًا وغير قابل للتراجع، مما يساعدهم على تجنب المفاجآت أو إثارة تصورات الانتكاسة.ثانياً، تستفيد أنقرة من الديناميكيات الخارجية بشكل أفضل في الخارج، ففي العراق قامت أنقرة باستعراض نفوذها العسكري وأشركت "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بشكل أعمق؛ وفي سوريا، كثفت من هجمات المسيرات ضد عناصر "حزب العمال الكردستاني" وأقامت علاقات قوية مع الحكام الجدد في دمشق. ثالثاً، عهد أردوغان بتنسيق هذه الخطوات بشكل أكثر علني إلى فيدان، الذي يلتزم بشكل خاص بإنهاء الصراع مع "حزب العمال الكردستاني "حيث كان يتولى منصب رئيس الاستخبارات سابقاً. رابعًا، يبدو التوقيت في هذه الجولة أكثر ملاءمة، نظرًا لرغبة أوجلان المتزايدة في مغادرة السجن مع تقدمه في السن وتفاقم مشاكله الصحية.
ومن ثم، وباستثناء مفاجأة اللحظة الأخيرة، يبدو أن أوجلان سيدعو علنًا "حزب العمال الكردستاني" إلى نزع سلاحه، ومن المفترض أن تدعم مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة هذا النداء، بما في ذلك قيادة حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" ، وأجزاء كبيرة من قاعدة الحزب، و"وحدات حماية الشعب"/"قوات سوريا الديمقراطية" في سوريا، والعديد من القيادات الدنيا والوسطى في "حزب العمال الكردستاني". وقد ينضم كبار قادة "حزب العمال الكردستاني" في قنديل أيضاً (على الأقل في البداية)، خشية أن يُنظر إليهم على أنهم لا يحترمون "الرئيس الفخري " للحزب.
ومن المؤكد أن الجماعات المنشقة قد تتشكل على طول الطريق، بتشجيع ودعم من إيران. وقد أقام قادة "قنديل" علاقات وطيدة مع طهران على مر السنين – حيث إن قواعدهم الجبلية مفتوحة على إيران في الشرق، ويسافر أعضاء "حزب العمال الكردستاني" إلى إيران بشكل متكرر، خاصة عندما يحتاجون إلى ملجأ من التهديدات العسكرية التركية. وعلاوة على ذلك، فقدت إيران مؤخرًا حليفها القديم في سوريا لصالح فصائل الثوار المدعومة من قبل تركيا، منافستها الإقليمية. لذا، قد يكون لدى النظام دافع خاص للرد على ذلك من خلال تحفيز قنديل على رفض عرض أنقرة للسلام.
فمن ناحية، من المرجح أن تكون أي فصائل منشقة عن "حزب العمال الكردستاني" صغيرة وتفتقر إلى قاعدة شعبية. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يجعلها ذلك أكثر أيديولوجية وعنفاً من الجماعة الأم، على غرار فصائل ”الجيش الجمهوري الأيرلندي الحقيقي“ المتشددة التي انشق بعد اتفاقات السلام في أيرلندا الشمالية عام 1998. ويمكن لمثل هذه الانشقاقات أن تعيث الفوضى، ربما إلى حد تقويض محادثات السلام. ولمواجهة هذا التهديد، يمكن لتركيا أن تصف أي جماعات منشقة بأنها وكلاء لإيران، مما يقوض شرعيتها بين المجتمعات الكردية؛ وبالفعل، يبدو أن ذلك جزء من خطة أنقرة.
وقد تنشأ تعقيدات محتملة في الجوار إذا انزلقت سوريا مرة أخرى إلى حرب أهلية، إذ قد يمنح ذلك الفصائل المنشقة عن "حزب العمال الكردستاني" ملاذًا آمنًا آخر على الحدود التركية. وهنا مجددًا، يجدر التذكير بتشبيه "الجيش الجمهوري الأيرلندي الحقيقي"، إذ تم القضاء على تلك الجماعة المنشقة في النهاية بعد أن حرمتها كل من أيرلندا المجاورة والمملكة المتحدة من حرية الحركة والعمل.
الآثار المترتبة على السياسة الأمريكية
بالنسبة للولايات المتحدة، تتمثل الفوائد الأكثر إلحاحًا في إبرام صفقة مع "حزب العمال الكردستاني" في سوريا. فبافتراض أن المرحلة الانتقالية بعد الأسد ستمضي بسلاسة، قد يكون لتفكيك الحزب تأثير جوهري في إعادة تشكيل علاقات تركيا مع القادة الأكراد السوريين، الذين لطالما نظرت إليهم على أنهم مجرد وكلاء لـ"حزب العمال الكردستاني" وإذا ترسخت دعوة أوجلان المتوقعة لنزع السلاح، فقد تصبح أنقرة أكثر انفتاحًا على التعاون مع "حزب الاتحاد الديمقراطي"، الجناح السياسي لشركاء واشنطن الرئيسيين في مكافحة الإرهاب في سوريا، وهم "وحدات حماية الشعب" / "قوات سوريا الديمقراطية".
ولتحقيق هذه الغاية، قد تشجع تركيا الحكام الجدد في دمشق على تعزيز مشاركة ”حزب الاتحاد الديمقراطي" في النظام السياسي السوري. ويمكن أن يشمل ذلك دعم مرشحي الحزب في الانتخابات البلدية وغيرها من المنافسات المحلية، على غرار الطريقة التي عرض فيها أردوغان وفقًا لبعض التقارير استعادة مقاعد "حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" في الانتخابات البلدية في تركيا (على الرغم من أنه قد يجبر ”حزب الاتحاد الديمقراطي“ على تغيير اسمه قبل المضي قدماً، وبالتالي التخلص رسمياً من روابطه مع "حزب العمال الكردستاني").
الدور العراقي الكردي. من شأن اتفاق "حزب العمال الكردستاني" الذي يسهله جزئياً "الحزب الديمقراطي الكردستاني" العراقي أن يمهد الطريق أمام تقاسم السلطة الكردية على نطاق أوسع، أي بين "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في العراق وحزب الاتحاد الديمقراطي“ في سوريا والفرع السوري لـ "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في سوريا. وبالإضافة إلى تعزيز شركاء الولايات المتحدة القدامى في كلا البلدين، يمكن أن يشجع ذلك تركيا على إقامة علاقات سلمية مع الأكراد السوريين. وعلى المدى الطويل، قد تكون أنقرة مستعدة حتى لإقامة علاقة اقتصادية مع أكراد شمال شرق سوريا، على غرار ما تقيمه حاليًا مع "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في شمال العراق.
زاوية تنظيم الدولة الإسلامية. على الصعيد الأمني، أعلن العراق والأردن وسوريا وتركيا مؤخراً عن مبادرة إقليمية مشتركة لاحتواء تنظيم ”الدولة الإسلامية“. وإذا تم التوصل لاتفاق مع "حزب العمال الكردستاني"، يمكن توسيع هذه المبادرة الجديدة لتشمل الفصائل الكردية المسلحة في العراق وسوريا، التي لديها بالفعل خبرة واسعة في محاربة تنظيم ”الدولة الإسلامية". ونظرا لأن أولوية السياسة الأمريكية طويلة المدى في سوريا ا تكمن في منع عودة تنظيم "الدولة الإسلامية"، لذا ينبغي على واشنطن دعم أي دور كردي مقترح يُسهم في تعزيز الهيكل الأمني الجديد.
التحضير لمرحلة جديدة. من شأن الولايات المتحدة أن تجني فوائد استراتيجية أوسع نطاقاً من نهاية الصراع مع "حزب العمال الكردستاني"، بما في ذلك خارج منطقة الشرق الأوسط. فعلى الصعيد الأمني، ستتمكن تركيا من إعادة تخصيص مواردها العسكرية-وهي ثاني أكبر قوة في حلف شمال الأطلسي—لمواجهة أزمات محتملة أخرى بالتنسيق مع واشنطن. على سبيل المثال، يمكن استثمار النفوذ التركي الواسع في إفريقيا لدعم جهود الاستقرار التي تقودها الدول الغربية في العديد من البلدان . ولعل الأهم من ذلك هو أن تسوية الخلاف حول "حزب العمال الكردستاني" بين واشنطن وأنقرة قد تُسرّع من إعادة هيكلة العلاقات الثنائية بين أردوغان وترامب، مما قد يؤثر بعمق على استراتيجيات الولايات المتحدة وتركيا في حلف شمال الأطلسي والشرق الأوسط.
السماح لتركيا بالقيادة. هناك نقطة تحذير واحدة في محلها: يجب على واشنطن أن تحرص على اتباع مسار تركيا في الحوار مع "حزب العمال الكردستاني" بدلاً من محاولة تولي زمام المبادرة بنفسها. فإذا انهار الاتفاق مع قيام واشنطن بدور نشط وعلني، فلا شك أن الولايات المتحدة ستواجه انتقادات واسعة في تركيا والمنطقة.